English| |Arabic

Back

الأسباب الحقيقية لمأزق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

1- ماقبل عصر البابا شنودة الثالث

د . جورج حبيب بباوي[1]

           لم يتولد المأزق المعاش فى الكنيسة القبطية بمجئ قداسة البابا شنودة الثالث ، حفظه الله وادام لنا حياته
، بل كانت له ارهاصاته التى تمتد لعقود سابقة ، فقد
جاء قداسة البابا كيرلس السادس بعد فترة عدم استقرار شابت نهايات ولاية قداسة البابا يوساب ، وبعد وفاته تحول الصراع بين جيل الجامعيين ـ شباب حركة مدارس الأحد ـ والحرس القديم من الأساقفة والمطارنة الذي كان ينظر بارتياب لهم ، وانتهى الصراع بلائحة الانتخابات التي كان للأنبا يؤنس أسقف الجيزة في ذلك الوقت اليد الطولى في وضعها واعتمادها من الرئيس عبد الناصر. وهي اللائحة التي على أساسها وبموجب ما جاء فيها انتُخِبَ القمص مينا المتوحد ـ البابا كيرلس السادس فيما بعد ـ بالقرعة الهيكلية ، والذى بعد رسامته بشهور حاول الأنبا يؤنس مطران الجيزة جمع توقيعات مطارنة الصعيد بالذات لعزل البابا كيرلس للحيلولة دون فتح ملف الفساد فى رسامة الأساقفة وانتهت هذه المحاولة بوفاة الأنبا يؤنس المفاجئة .

       سبق عصر البابا كيرلس دخول الجامعيين للأديرة ، والذين سعوا للترشيح للكرسى البابوى ـ وفق استراتيجيتهم : أن الإصلاح يبدأ من القمة ، لكن تعديل لائحة انتخاب البابا والذى جاء نتيجة تخوف الحرس القديم حال دون هذا ، ويعود للبابا كيرلس الفضل فى وصول بعض من رموز الرهبان الجامعيين الى مراتب الأسقفية ـ الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف ، والأنبا صموئيل أسقف الخدمات، والأنبا شنودة أسقف التعليم ...إلاَّ أن صراعاً بين أسقف التعليم والبابا كيرلس السادس سرعان ما نشب يكشف عن اختلاف التوجهات والتطلعات بين جيلين ومدرستين وكان يدور حول :

أولاً: الاختصاصات، أي ما هو دور أسقف التعليم؟ وما هي حدود علاقة أسقف بلا إيبارشية بالبابا نفسه؟ كان هذا وضعاً جديداً بلا لائحة وبلا قانون وبلا "ورقة عمل". ولذلك السبب غلب الجانب الشخصي على كل أبعاد هذا الصراع الذي انتهى بابعاد الأنبا شنودة إلى الدير، وهو قرار يشبه إلى حد بعيد العزل. ( وتمت المصالحة وعاد الأنبا شنودة. لكن ظل موضوع الاختصاصات غائباً لا أحد يحركه، وربما لم يتجاسر أحد على أن يناقشه ، وحتى اليوم مازال موقع الأسقف العام ملتبساً وغائماً وبلا توصيف قاطع ) .

ثانياً: وهذا هو الأهم، مسئولية التعليم الكنسي حسبما استقر في تراثنا الكنسي القبطي ، كيف يتم التنسيق بينهما ؛ الحدود ، المرجعية ، التدرج .

          ولم يلتفت احد الى الضوابط الحاكمة فى هذا الشأن والتى يمكن استقراءها فى نقاط محددة :

1- لا يمكن لمن يقرأ التاريخ القبطي المعاصر أن ينكر دور مدرسة اللاهوت ، وهي أول مدرسة في العالم المسيحي، مدرسة الإسكندرية العريقة التي أنجبت أثناسيوس وكيرلس وغيرهم من عمالقة علماء الكتاب المقدس والتاريخ واللاهوت. هؤلاء وحدهم كانت لهم اليد الطولى في صياغة العقيدة الأرثوذكسية لمواجهة تجديف الهراطقة. ولقب " ثالث عشر الرسل " أُعطي للقديس أثناسيوس الرسولي وحده، وهو ليس من ألقاب بابا الإسكندرية، لكنه اضيف كنوع من التملق ابتدعه نفر من مرتلى الكنيسة فى سنوات غابرة تميزت بالتدهور التعليمى .

        إذن، منذ البداية كان تثقيف الإكليروس هو أحد ركائز بشارة ما مرقس وقد أدت الصراعات السياسية والعسكرية في القرن السادس والسابع الى رحيل مدرسة الإسكندرية إلى دير القديس أنبا مقار ببرية شيهيت ، حتى بداية القرن الحادي عشر؛ واستند الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين فى كتابة تاريخ البطاركة الى ذخائر مكتبة دير الأنبا مقار حسب شواهد بعض المخطوطات العربية.وتختفى بعد ذلك عبر العصر الوسيط .

2- امتاز العصر القبطي الوسيط ( ق 12 ـ  ق 19 ) بقيادات جيدة تبدأ بالأنبا ساويرس وتقف عند الأنبا بولس البوشي، ثم تعود لتظهر بشكل متقطع وتقف عند الأنبا يوساب الأبح ....

        كان هؤلاء العظام حلقة هامة في التاريخ القبطي وفي التعليم. فقد علَّم كل واحد منهم نفسه، بعد انقطاع الصلة مع الثقافة اليونانية ثم القبطية ، فلم يكن لدينا مدرسة، ولا مراجع ولا معلمين، ولذلك جاءت اجتهادات كثيرها جيد ، وبعضها لا يستحق الذكر أو الإشارة إليه .... لكن هذه الحركة الثقافية كانت جزءاً من حركة تعريب قام بها السريان والروم والأقباط للدفاع عن عقائد المسيحية، ولحوار "مسكوني" سبق الحركة المسكونية في الغرب بما يزيد عن 500 سنة، وذلك عندما بدأ اليعاقبة (السريان والأقباط والأرمن) في تحديد الإيمان وشرحه في حوار مع الملكانيين (الروم الأرثوذكس)، والاتفاق على ما هو مشترك، وشرح الاختلافات وهي كلها تدور حول ما حدث في مجمع خلقيدونية 451 م وما بعده.

3- كانت هذه الحركة الثقافية روحية ونسكية أيضاً، وإليها يعود الفضل في جمع كتابات آباء البرية (بستان الرهبان) الذي نقل من السريانية إلى العربية. بل نقل السريان إلينا شرح الأب ثيؤدوريت المعروف باسم "المفسِّر"، وعنه نقل النساطرة شرح الأسفار لكي تظهر بعد ذلك بالعربية بفضل براعة العالم السرياني أبو الفرج ابن الطيب الذي نُشر عندنا في مصر تحت اسم "تفسير المشرقي"، وذلك بعد تهذيب النص وحذف بعض المقاطع التي رأى الناشر أنها ليست أرثوذكسية.

4- جاءت الإرساليات الأوروبية؛ الكاثوليكية أولاً، ثم بعد ذلك الأنجليكان، وتلاهم الإنجيليون. كانت الثقافة القبطية شبه ميتة، وتحركت المطابع لكي تنشر الهجوم المتواصل على الكنيسة القبطية ... ولم يكن لدينا دراسة تاريخية جيدة عن حركة الإصلاح فى الغرب ، ولا عن تطور عقائد الكنيسة الكاثوليكية هناك ، وظهر العصاميون مرة ثانية ، وهم مثل علماء العصر القبطي الوسيط، علَّموا أنفسهم: عريان مفتاح – سمعان سليدس – حبيب جرجس – القس منسى يوحنا – الأسقف أيسيذورس .... إلخ

        كان أول كتاب عربي عن تاريخ الكنيسة هو كتاب "مدام بوتشر" الأنجليكانية، ثم تلاه كتاب القمص منسى يوحنا. هذه ظاهرة تكررت في القرن العشرين، وسوف نعود إليها وتمثلت فى ظهور مرجع أجنبي يتناول جانب معرفى مسيحى ليظهر بعده نفس المرجع مع تعديلات وإضافات قبطية تحت مسمى ارثوذكسى .

        لقد قدم العصاميون الكثير أمام هجوم وزحف عنيف من المبشرين، وتأسيس كنائس في أغلب ديار مصر، ولعل من درس التاريخ المعاصر قد لاحظ على سبيل المثال أن المدارس التي أسسها المبشرون من الأمريكان والإنجليز وغيرهم سبقت بناء كنائسهم. فقد نشرت مجلة الهدى سنة 1894م قائمة بعدد مدارس الكنيسة الإنجيلية في القطر المصري فبلغت 140 مدرسة مقابل 15 كنيسة فقط.

        كان "الكُتَّاب القبطي" يأفُل أمام حركة التحديث التي تعود إلى جهود الخديوي إسماعيل، وما جاء مع الحركة الوطنية في مقاومة الاحتلال والتي أدرك قادتها أهمية التعليم وإنشاء المدارس. وهنا يجب أن نقول إن المدارس القبطية سبقت مدارس حكومتنا في أكثر من مدينة – القاهرة – طنطا – الإسكندرية ... وغيرها، بل كانت مدرسة البنات القبطية هي أول مدرسة لتعليم البنات في مصر ! والجدير بالذكر أنها أحد أعمال رجل يوصف بأنه "أبو الإصلاح " البابا كيرلس الرابع.

5- تؤكد النقاط السابقة أن الكنيسة جزءٌ من الوطن لا يمكن فصله، وإن الأقباط مثل باقي شعب مصر يسير مع الوطن. لقد جاء العصر العثماني بتدهور التعليم، فتدهور التعليم الديني. جاء عصر محمد على وبعده حركة التنوير، فتحرك التعليم الديني مع التعليم الوطني. وكان رواد نهضة التعليم في المدارس القبطية الأرثوذكسية من أفضل القيادات العلمانية.

     ولنا على حركة النهضة القبطية ، قبل تولى قداسة البابا شنودة عدة ملاحظات ، ربما تفسر لنا صراع اليوم بين العلمانيين والإكليروس فى رؤيتهم للإشكاليات الكنسية ومن ثم رؤيتهم للإصلاح ، وهى موضوع المقال التالى .

الأسباب الحقيقية لمأزق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

2 ـ الفجوات في حركة النهضة القبطية قبل عصر الأنبا شنودة

د . جورج حبيب بباوي[2]

          لا شئ يأتى من فراغ فى مجال الفكر ، خاصة فى الفكر الجمعى ويدق الأمر مع كنيستنا القبطية الأرثوذكسية وملحمة البقاء فى مواجهة تيارات فكرية وافدة تملك آليات متطورة تملك ترجمة هذا الفكر وطرحه على العامة فى ظرف تاريخى قاس يغلفه التخلف والتراجع الذى شهده الشارع المصرى وتواكب مع الإحتلال الأجنبى فى نهايات القرن التاسع عشر .

           والمتابع لمحاولات الإستفاقة والنهضة الكنسية آنذاك يرصد عدة فجوات انتجتها عوامل واقعية وانسانية ترتبط دائما بحماس القائمين عليها وغياب المنهجية والقدرات المرجعية ، لكن هذا لا يقلل من قيمة وقدر محاولات الرواد واهميتها .  

الفجوة الأولى: التي تركت بصمات أصابعها على كل شيء حتى في عصر الأنبا شنودة نفسه هو غياب برنامج الإصلاح والتطوير. وخلف هذا تقف عدة عوامل تعتبر جزء لا يمكن فصله عن الحياة المصرية، ولكننا سوف نكتفي في هذه الفقرة بالذات إلى الإشارة إلى واحد منها ، وهو الإيمان المطلق بأن الإصلاح يأتي من فوق بواسطة "البطل" و "القائد" و "الزعيم"، وهو الطابع الذي ساد كل الحركات الثقافية، بل والسياسية بعد عهد محمد على. وهنا يجب الإشارة إلى مؤلفات الدكتور زيور عن شخصية البطل الأسطوري وانعكاس "عنتر بن شداد" حتى على العمل السياسي. ولعل أُفول حركة التنوير بعد 1882م (الاحتلال البريطاني) لم يكن مصادفةً لأن الحركة كانت لقيادات فردية وقادة عظام. لذا فالبعث الحقيقي للتنوير تولد عن تأسيس جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) لأنه تحول من عمل يعتمد على فرد الى عمل مؤسسى ، جاءت الجامعة لكي تجعل حركة التنوير جزء لا يمكن فصله عن الثقافة الوطنية. وفي بحث رائد لم ينشر بعد، وجد الباحث أن رواد حزب الوفد مثل مكرم عبيد وويصا واصف وعدد آخر من الأقباط والمسلمين كانوا طلاباً في مدارس أسيوط أو كلية الأمريكان في أسيوط. وكانت الدراسة تقوم على تدريس الفروع السبعة للعلوم الإنسانية ، وهى التى شكلت عقل ووعي القادة ، ليتأكد لنا أن البرنامج الإصلاحي تتشكل ملامحه عبر برامج تعليمية مستنيرة مؤسسية . أمَّا إذا ظل قائماً بقيام القائد "الكارزمي"، فإن أُفوله وسقوطه هما مسألة وقت.

الفجوة الثانية  دراستنا لكل برامج التعليم الديني في مدارس الأحد والكلية الإكليريكية حسب الوثائق التي لا تزال تحت أيدينا، وهي لا تزال في حوزة بعض القادة تؤكد ما يلي:

1- السباق الدائم مع ما جاءت به حركة الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية، ولذلك جاءت دراسة الكتاب المقدس في مدارس الأحد موازية لما كانت تصدره مطبعة النيل المسيحية، وخلاصة الدرس المطبوع خلف الصور. وكان أستاذنا حبيب جرجس قد عهد إلى رسام ألماني برسم صور لما جاء بهذه البرامج. هنا بدأ الفصل التام والتدريجي بين الكتاب المقدس والحياة الليتورجية حتى بدأ الاهتمام بالقراءات الكنسية في بداية عصر البابا كيرلس السادس، ثم توقف؛ لأنه كان مثل غيره حركة رواد عصاميين. ومن هنا أيضاً جاء فهم العقيدة الأرثوذكسية نفسها من خلال دروس الكتاب المقدس وحده بعيداً عن الليتورجية وعن شرح آباء الكنيسة. ولذلك عندما سمعنا في معهد الكتاب المقدس صوت بابا الإسكندرية يؤكد – حتى – في الحوار مع الكنيسة الإنجيلية الالتزام بما جاء في الكتاب المقدس وحده، قلنا هذا هو أول بطريرك إنجيلي - بالمعنى المذهبي والطائفي – يجلس على كرسي مار مرقس.

2- وولد في هذا السباق نوع من "الأصولية"؛ لأن شرح الكتاب المقدس يعتمد على:

أ – قدرة من يشرح ومعلوماته.

ب –الانتماء المذهبي.

        خلال الخمسينيات، وما بعدها كان شرح الكتاب المقدس للقس "ويليام أيدي" الأمريكاني، ثم ما صدر من مؤلفات مطبعة الأخوة ومطبعة النيل المسيحية بمصر هى المراجع التي عاد إليها كل الذين نعرفهم من قادتنا. ومن الإنصاف أن نقول هنا إن مؤلفات الآباء لم تكن معروفة لهؤلاء، بل لم تكن موجودة. ولعل الشهود الأحياء يذكرون أول زيارة لقداسة البابا شنودة الثالث إلى الولايات المتحدة، فقد طلب هو شخصياً ومعه ثلاثة أساقفة شراء مجموعة القس المعمداني "سبرجن"؛ لأنها - حسب وصف هؤلاء – الشرح الروحي الذي يفيد في الخدمة.

        وكما قلنا سابقاً، لم يكن لدينا برامج ولا مؤسسة تعليمية تستطيع أن تضع المراجع الأساسية في يد الشعب والأكليروس ...أليست هذه حقيقة تاريخية: إن أول كتاب عن الصلاة هو كتاب "حياة الصلاة الأرثوذكسية" الذي به بدأ الأب متى المسكين ومعه عدد من الرهبان في دير السريان 1952 محاولة جادة لاسترجاع التراث؟

3- هكذا جاء التعليم الديني بما هو غير أرثوذكسي – عن حسن نية – وعن جهل. هذا هو ما يمكن أن نكتبه في الوقت الحاضر:

أ- فصل دراسة العقيدة عن التاريخ الكنسي. وكانت أول محاولة لوضع دراسات تاريخية للعقيدة هي مذكرات "اللاهوت المقارن" للدكتور وهيب عطا الله (الأنبا أغريغوريوس)، واعتمد فيها أحياناً على ترجمة حرفية لكتاب تاريخ العقيدة للأستاذ بيكر Bethune - Baker أستاذ تاريخ العقيدة المسيحية السابق بجامعة كمبردج.

ب- الاكتفاء بوضع نصوص من مؤلفات لا تأخذ بكل ما جاء عند الآباء، والمثال الواضح هو أن الأريوسية دُرِّست لنا في الإكليريكية عن كتاب الأستاذ بيكر، ولم ندرس رد القديس أثناسيوس على الأريوسيين إلاَّ بعد اقتناء المجلد الخاص بالقديس أثناسيوس، والذي نشرته جامعة أكسفورد 1890م وطبع بعد ذلك عدة طبعات في الغرب. وإلى الأب متى المسكين يعود الفضل في جلب أو استيراد مجموعات الآباء (28 مجلد) لكي تسهم في تطوير الدراسة التاريخية واللاهوتية. لكن الملخصات مثل كتب وزارة التعليم "ملخص كذا ... إلخ" تقطع الصلة بين القارئ والمراجع الأساسية، أي المصادر الأولى Primary Sources وتعزل القارئ عن الأبعاد التاريخية للجدل كله، بل تحرم القارئ من دراسة جوانب الصراع العقيدي. هكذا درسنا أن النسطورية كانت صراعاً حول لقب "والدة الإله"، هذا سبب واحد من عدة أسباب، أهمها فشل نسطور في إدراك حقيقة تجسد ابن الله، وما جاء به التجسد من علاقة جديدة تماماً مع الله، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، أي الكنيسة ودور الأسرار لا سيما الإفخارستيا. ولم يكن غريباً أن يكتب البابا شنودة نفسه ذات عبارات نسطور في كتيب الإفخارستيا حيث يؤكد أننا نتناول الناسوت، وعبارة نسطور التي قُرأت في مجمع أفسس 431م هي ذاتها عبارة الأنبا شنودة: "لم يقل خذوا كلوا هذا هو لاهوتي، بل هذا هو جسدي". هذه ليست مصادفة بحتة؛ لأن الملخصات حجبت عن الأنبا شنودة نفسه أبعاد الصراع ضد النسطورية. ولا زال شك كاتب هذه السطور في صدق عدد كبير من الإكليروس في إيمانهم بالتجسد وبالثالوث.

جـ - ولعل أفظع ما يقال عن الثالوث هو أنه "وجود وعقل وحياة"، وهو ذات بدعة سابيليوس. ولأن الثالوث لم يُدرس بعد على الأصول الآبائية، وقع الأنبا شنودة نفسه في هذه البدعة – دون أن يدري – وعن حسن نية ودافع عن بدعة سابيليوس في محاضرة مشهورة في اجتماع للشباب المسكوني في الكاتدرائية، وعندما حاول كاتب هذه السطور مراجعة ما جاء في هذه المحاضرة بدأ العد التنازلي لإبعادي عن الكلية الإكليريكية. ففي هذه السنة ألغى قداسة البابا امتحان القسم النهاري والليلي معاً عقاباً لي، وحتى يبدو أمام الطلبة أنه صاحب السلطة.

د – أليس من حق القارئ أن يقف ليسأل: لماذا نُشر كتاب تجسد الكلمة من دار النشر للكنيسة الأسقفية SPCK فرع القاهرة، وهي ترجمة الأب الفاضل مرقس داوود عن الترجمة الإنجليزية التي صدرت من جامعة أكسفورد 1890؟ الناشر ليس أرثوذكسياً، والنص ليس هو النص الأصلي،! بل ترجمة عن ترجمة ضاعت معها بعض معاني الكلمات اللاهوتية مثل "الفساد"، "الشفيع"، وغيرها. ولم يكن هذا الكتاب يُدَّرس في الكلية الإكليريكية. وأول دراسة منهجية تاريخية كانت محاضرات أستاذ الآباء في جامعة كامبريدج جيفري لامب 1965م وهو الأستاذ الذي وضع أول قاموس يوناني – إنجليزي لكل مصطلحات الآباء اليونانية. طبعاً لم يكن تدريس اللغة اليونانية، بل اللغة القبطية كافياً لقراءة الكتاب. وما أبعد الفرق بين طالب في جامعة كامبريدج يقرأ الآباء باللغة الأصلية، وطالب في الكلية الإكليريكية سمع عن أثناسيوس، وقرأ بعض أو ربما قرأ "تجسد الكلمة" باللغة العربية، ولم يسمع محاضرة واحدة عن الكتاب نفسه. أليست هذه هي الفجوة بين التاريخ الكنسي واللاهوت؟ ثم هي نفسها ذات الفجوة بين المصادر الأولى ألأساسية والملخصات التاريخية السيئة؟

نقف هنا لنطل على النتائج التى انتقلت فيما بعد الى عصرنا المعاش وهى مل سنتناوله فى المقال القادم .

 

الأسباب الحقيقية لمأزق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

3 ـ ما ورثه الأنبا شنودة

د . جورج حبيب بباوي[3]

        عندما نكتب عن الواقع المعاش، فإننا يجب أن نتوخى الدقة؛ لأننا، ونحن نطالب بالإصلاح يجب أن يكون لهذا النداء أساس تاريخي قادر على استيعاب ما حدث قبل مجيء الأنبا شنودة إلى كرسي ما مرقس، وما ورثه من نظام كنسي وعُرف وتقاليد سائدة لكي نعطي الرجل حقه ؛ لأن البحث عن "كبش فداء" أو "ثور عزازيل" الذي يحمل الخطايا ليس حلاً روحياً، أو ثقافياً أو حتى إنسانياً؛ ولأن إصلاح النظام أجدى من تجريم فرد أو جماعة.

* ورث الأنبا شنودة المجمع المقدس الحاضر بالاسم والغائب دائماً عن كل الأمور الهامة والأساسية. وأضاف إليه "لجان المجمع" الخاصة بالعقيدة والطقوس، والتي لم تقدم شيئاً ذا بال؛ لأن التركة التي ورثها لم يكن فيها أسقفاً تخصص في دراسة معينة سوى الأنبا ديسقورس والأنبا يؤنس ـ الراحلين ـ وكلاهما مؤرخٌ كنسيٌ، والأنبا إغريغوريوس ـ الراحل ـ الذي أُبعد عن المشاركة، ويضاف إليه قائمة من العلمانيين مثل الدكتور وليم سليمان. ومع انعدام التخصص لدى أغلب الأساقفة، أي معرفة التاريخ واللاهوت، بل والكتاب المقدس نفسه، ولدت لجان المجمع مثل "السقط"، أي الجنين الذي لم يكتمل نموه.

* ورث أيضاً معهد الدراسات القبطية الذي كان يضم أكبر نخبة من المثقفين: د. مراد كامل – د. زاهر رياض – د. سامي جبرة … إلخ ولكن حدث تداعي غريب، وانهار المعهد تدريجياً، وانعدم الدعم المالي لا سيما بعد رسامة أنبا إغريغوريوس، وعجز الأنبا إغريغوريوس عن الحصول على المال اللازم. وتبعه أو نتج عنه إغلاق مكتبة المعهد نفسه.

* ورث أيضاً الكلية الإكليريكية التي كان من الممكن أن تصبح جامعة لاهوتية تضارع جامعات أوربا خصوصاً بعد عودة وعمل الذين حصلوا على بعثات دراسية في الخارج في ألمانيا – اليونان – إنجلترا – أمريكا، ولكن تم ترحيل البعض للخدمة خارج مصر في المهجر مثل وجدي الياس، وغيره، ورسامة البعض للكهنوت. ورُحِّل الأنبا باسيليوس أول من تخصص في التاريخ الكنسي لرعاية إيبارشية القدس حتى لا يبقى منافساً لمنصب البطريركية … وما أصاب الباقين من المبعوثين.

          كان من المتوقع أن تنتبه القيادة الكنسية باعتبارها قيادة مثقفة ولها رؤية مسبقة فى ضرورة الإصلاح ، اعلنته عبر مقالات عديدة فى مجلة مدارس الأحد ، الى وضع خطة محددة للإصلاح أو تشكيل هيئة من النخبة والمتخصصين لوضعها ، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، ربما للتداعيات التى حلت بعد التحول الدرامى فى الشارع المصرى وتولد موجات التطرف المتأسلم وانحياز القيادة السياسية آنئذ له ، ووجد البابا نفسه محملاً بهمة لم يكن مهيئاً له ، فتراجع ملف الإصلاح وتجمد .

          ولأسباب بعضها تاريخى وبعضها ذاتى فُتح ملف يحمل دلالات خطيرة وإن حاول أن يبدو وكأنه دفاعاً عن العقيدة هو "ملف الاتهامات بالهرطقة " ، كانت البداية مع كتابات الأب متى المسكين، وتحديداً كتب الكنيسة الخالدة – العنصرة – البارقليط. وكان الجدل فقهى فى الأساس يدور حول حلول الروح القدس في الإنسان: هل هو حلول أقنوم الروح القدس نفسه، أم المواهب فقط؟ كان حماس الأنبا غريغوريوس لفكرة المواهب هو القوة الدافعة لكل محاولات تجريم الكتب الثلاثة السابقة للأب متى المسكين. ومن الضروري الآن أن نضع النقاط فوق الحروف دون أن نخوض في متاهات جدل عقيم جداً لا يمكن أن يوصف بأنه لاهوتي بالمرة.

أولاً: لم يحاول الذين حاربوا الأب متى المسكين تقديم رد كاف من التراث الآبائي. وعندما نُشِر كتاب القديس باسيليوس، ثم رسائل أثناسيوس عن الروح القدس، لم يحاول أحد أن يعود إلى أهم كتابين عن الروح القدس ليرى ما هي الإجابة الآبائية الصحيحة على السؤال: هل هو حلول اقنومى أم مواهبى؟

ثانياً: لم تحاول الكنيسة الرسمية ( المجمع المقدس – الكلية الإكليريكية )مناقشة الموضوع أو سؤال الأب متى المسكين نفسه؛ لأن القيادات قسمت الكنيسة، إمَّا مع أو ضد، وفقاً للولاء الشخصي للشخص، وليس للعقيدة.

ثالثاً: عندما تُرك هذا الأمر يتعفن لمدة 25 سنة بات الرد على السؤال ـ بل بحث السؤال نفسه ـ مصدر قلق وخوف؛ لأن الذين مع الأب متى استبعدوا تماماً من الخدمة. وهذا هو أحد أسباب منعي من التدريس، ثم حرماني من التناول بقرار من الأنبا شنودة نفسه دون إبداء سبب لاهوتي واحد يمكن مناقشته، واختراع شرائط الكاسيت التي تم صياغتها بواسطة الأنبا بيشوي حتى يُحرم الأب متى المسكين من أي فرصة للدفاع عن التعليم الصحيح.

        هذه العناصر الثلاثة تؤكد لنا أننا نسير نحو الانقراض والتفتت الداخلي، وهو أشر ما جاء مع هذه السنوات التي تزيد على ربع قرن من الزمان لم يتم فيها إصلاح أي شيء.

أولاً: لأن الأمور الخاصة بالإيمان والعقيدة صارت مسائل شخصية يحكم فيها الولاء الشخصي، وليس التسليم الكنسي، وهذا هو أحد أسباب ظاهرة "مكس ميشيل وكنيسة المقطم "؛ لأنه كأي شخص – مهما كان – وجد أن الصراع صراعاً شخصياً بالدرجة الأولى، ولا يمكن حسمه إلاَّ في دائرة الصراع نفسها، وإن كان هذا يهدد الكيان الكنسي نفسه بمزيد من الانقسامات.

ثانياً: كان القمص زكريا بطرس هو صاحب أطول محاكمة كنسية في تاريخ الكنيسة. منع من الخدمة بعدة اتهامات لم تبحثها لجنة متخصصة؛ لأن الأنبا بيشوي قد يحسب بارعاً في فرع تخصصه الذي درسه في الجامعة ـ الهندسة ـ لكنه لم يلتحق حتى بالكلية الإكليريكية. وعاد القمص زكريا بطرس إلى الخدمة دون إبداء أسباب المنع! ودون إبداء أسباب العودة ثم انتدب للخارج وقيل أنه أوقف ولم يجرد .

ثالثاً: كانت لدينا مدرسة اسمها "مدرسة الرهبان"، وهي احد مشاريع البابا يوساب الثاني، وهو رجل متعلم درس في اليونان، وظلت مدرسة الرهبان تحبو مثل طفل صغير، لكنها أغلقت وتحول المبنى إلى مقر لأسقف حلوان … وكان من الممكن أن تتحول الى قاعدة علمية تمد الكنيسة بخميرة جيدة لمواقع الأسقفية .

        هذا ما يؤكد السير نحو الانقراض … التخلف العلمي – الجهل بالتاريخ – إدارة الصراعات الكنسية بأسلوب لا علاقة له لا بالمسيحية نفسها، ولا بالتاريخ القبطي ولا حتى بالأخلاقيات العامة الحسنة في المجتمع المصري.

           على أن الأمر لم يتوقف عند حدود الإتهامات بالهرطقة بل تجاوزها الى الابعاد عن الكنيسة وصدور فرمانات القطع من شركة الكنيسة ، وهو ما سنتناوله فى المقال القادم .

   

الأسباب الحقيقية لمأزق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

4 ـ القانون الكنسي وفرمانات الإبعاد من الكنيسة !!

د . جورج حبيب بباوي[4]

       لم يكن المناخ الكنسى بعيداً عن المناخ العام ، فبينما كان الصراع على السلطة يدور فى الشارع السياسى ، تواكب معه وبذات الحدة صراعاً مشابهاً داخل اروقة الكنيسة ، وكما دانت الأمور للسلطة الحاكمة فى عصر السادات كذلك دانت الأمور للسلطة القائدة للكنيسة ، وكان للنظام الحاكم فى مصر محاولات ايجابية لنشر الثقافة عبر : سلسلة الألف كتاب – منشورات الهيئة العامة للكتاب مع تقدم ملحوظ في السينما والمسرح … إلخ، ودعم وزارة الثقافة، والتوسع الأفقي في التعليم … ، ولكن خلف هذا كان هناك! المدعي العام الاشتراكي، ثم محكمة القيم. كان الصراع منظماً وكلٌ كان يعرف دوره المحدد الذي يعاقب على تجاوزه.

أمَّا على ساحة الحياة الكنسية، فلم يكن لدينا قانون أو حتى شبه قانون، ولا أحد يعرف ما هي الدائرة الممنوعة. هل البحث عن تاريخ الأصوام (كتاب الراحل الأب كيرلس كيرلس)، هل يدخل ضمن دائرة الممنوعات؟ هل وهل    ؟ وأغلقت دائرة الخوف على كل الباحثين. يجب أن تجيد التملق والمداهنة والكذب … حتى مجلة مدارس الأحد أصيبت بركلة قوية تحت الحزام بعد ان تناولت اشكاليات كنسية بشكل ازعج القيادة الكنسية فعصفت بها فى اغسطس1994.

        غاب القانون الكنسي تماماً وخلف هذا الغياب قبع الخوف وتضخم سلطان بعض الأساقفة وأصبح للبعض منهم سلطاناً يفوق سلطان المسيح نفسه. ومع غياب القانون الكنسي ونمو الخوف بدأت ملامح الاستبداد في الظهور بشكل مذهل ومفزع :

أولاً: لا يعرف القانون الكنسي الحكم المؤبد على شخص بالقطع من الشركة ( الحرمان من العضوية الكنسية ) .

ثانياً: لا يعرف القانون الكنسي شلح كاهن أو عزل أسقف إلاَّ لأسباب عقائدية بحتة. أمَّا الأمور الشخصية مثل السرقة أو حتى الزنى … إلخ فهذه تعالج روحياً. ونظرة آباء البرية العظام "بيمن"، و"موسى الأسود" جديرة بالاهتمام؛ لأن هؤلاء، أي آباء البرية لم يكونوا على وفاق مع نمو السلطة القانونية للأساقفة، ولذلك خالفوا الكثير من أحكام القوانين التي نشرها بعض الآباء.

ثالثاً: غاب مع القانون الهيئة التي تحكم. فقد تحول المجلس الإكليريكي إلى مدع وقاض ومنفذ فى آن واحد . ونظرة واحدة على إجراءات محاكمة القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية في مجمع صور بعدة تهم منها الزنى والقتل، تؤكد لنا وجود ادعاء ووجود الشهود ( نفي وإثبات) بعكس ما نُشر في مجلة الكرازة أخيراً بعدم السماح بوجود شهود نفى (راجع مقالة الأستاذ كمال زاخر: أهذه عدالتكم؟)، ثم حضور ممثل الإمبراطور وقتها ـ أي السلطة الزمنية ـ لأن جرائم القتل وهتك العرض هي جرائم مدنية أيضاً يعاقب عليها القانون الروماني ( المدنى ) . إن ما نلاحظه هو إن إجراءات التقاضي تمت حسب القانون الكنسي والقانون الروماني نفسه – القضاة ، الإدعاء ، الشهود ، الدفاع ـ وملامح هذا تظهر تحت نصوص متفرقة في الدسقولية التي تميز بين حكم الأب الراعي وحكم القاضي في القضايا العلنية. لكن كان من الضروري "تغييب" القانون الكنسي واختصار إجراءات التقاضي حتى تتمكن السلطة من ملاحقة ومطاردة كل من يختلف معها.

ولم يتوقف الإنحدار عند هذا الحد بل تم ملاحقة كل مناحى احياء التكامل بين الإكليروس والعلمانيين ( شعب الكنيسة ) وكانت الصحافة القبطية صاحبة النصيب الأوفر فى حرب التقليص والتعقيم ؛ فقد كانت جريدة مصر، ومن بعدها جريدة وطني من أهم ما ظهر في مجال الإعلام فى الشارع القبطى . لكن جاء "تحجيم" الجريدة. منع الإعلانات – تكتل الشعب وراء الأسقف لمنع شراء وتداول جريدة وطني، ولعل الصدام الحاد الذى تم بين الكنيسة وجريدة وطنى مؤخراً بسبب تغطية الجريدة لفعاليات مؤتمر العلمانيين الأول " رؤية علمانية فى الإشكاليات الكنسية " خير دليل على هذا ، رغم أن العرض الذى قدمته الجريدة جاء متوازناً جمعت فيه بين ما طرحه المؤتمر ورؤية المناهضين بل والرافضين له ، لكن الكنيسة تسعى لتأميم الجريدة كنسياً لتصبح فى النهاية نشرة صادرة عنها ، ولكن لأن القيادة الكنسية تحتاج الى الجريدة ربما اكثر من احتياج الجريدة لها فقد انتهت المعركة بانتصار الجريدة وحرية التعبير .

 وقد سبق هذا النظام ما هو أخطر وتمثل فى :

أولاً: محاولة استبدال مجلة الكرازة بجريدة وطني، وقد فشلت المحاولة لأن مستوى الكرازة أقل بكثير من جريدة وطني فنياً ومهنياً ورسالة .

ثانياً: محاولة جلب إعلانات الوفيات وتهديد جريدة الأهرام نفسها بفقد عائد إعلانات الوفيات، بل حاول البعض القيام بمشروع شراء مطبعة مثل مطبعة جريدة أخبار اليوم لكي تحل محل كل ما نعرفه من صحف ومجلات، ولكن عدم قدرة الكنيسة المالية والثقافية، والخوف من أن يتطور الأمر الى إصدار جريدة يومية قد تتحول يوماً لتصبح نافذة لنقد السلطان الكهنوتي نفسه، ويجعل هذا السلطان في مهب رياح النقد والتجريح على المستوى الوطني والمستوي الكنسي … أدى الى وفاة المشروع قبل أن يولد.

ثالثاً: تحجيم المجلات القبطية نفسها، وفي مقدمة هذه المجلات مجلة مدارس الأحد التي كان أحد رؤساء تحريرها الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا شنودة)، وهو أكثر من يعرف ماذا فعل نقده وتجريحه للأنبا يوساب، بحياة، بل ومصير البطريرك نفسه … جاء هذا التحجيم لأنها تبنت :

1- الدفاع عن مصير ومكانة الإكليريكية.

2- محاولة بعث المجلس الملي العام وتجديد دوره.

3- محاولة استقطاب المثقفين مرة ثانية للكتابة في مجلة مدارس الأحد مما تولد عنه بداية تكون جبهة علمانية تشرح وتسأل …. هو أمر مرفوض ويمثل خطراً حقيقياً على النهج السلطوى السائد كنسياً .

ويبقى عنصر أخر كان يمثل اخر امل فى المشاركة الشعبية الحقيقية والجادة فى ادارة الشأن الكنسى وهو المجلس الملى ، فكان لابد من تحجيمه وتدجينه ولهذا نفرد المقال القادم والأخير فى هذه السلسلة فإلى لقاء .

الأسباب الحقيقية لمأزق الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

4 ـ هدم المعقل العلمانى الأخير ..فما العمل ؟!

د . جورج حبيب بباوي[5]

        رغم كل ما قدمه الرئيس جمال عبد الناصر من تغيير وإصلاح إلاَّ أن قرار إلغاء المجلس الملي ، مجاملة لقداسة البابا كيرلس السادس يعتبر من الأخطاء السياسية التي دفعت حكومة مصر نفسها ثمنها في الأحداث التي حدثت ابتداءً من حرق كنيسة الخانكة إلى اغتيال الرئيس السادات. كان غياب المجلس الملي العام هو بداية غروب شمس القيادات العلمانية التي تدربت في مدارس الأحزاب السياسية … وغابت الأحزاب السياسية، ومع غياب الترشح وحق الانتخاب غابت فكرة الانتخابات الحرة من حياة مصر ومن حياة الكنيسة، أي أبسط مبادئ الديموقراطية.

        دفعت مصر الثمن كله إزاء تطرف قرارات الإكليروس، ومهاجمة نظام الحكم نفسه بقرار إلغاء الاحتفال بعيد القيامة الذي كان تهديداً شخصياً لزعامة الرئيس السادات. ولعل أبلغ ما قيل عن أحداث 1980 – 1981م هو عبارة هامة "لقد وضعت الكنيسة نفسها مع الجماعات المسلحة وصارت الحليف الأساسي في الهجوم على حكومة الرئيس السادات". لقد جاء بعض القادة من العلمانيين، ومع هؤلاء جاء الراحل الكريم الأستاذ مريت غالي ليقول في وجود الأب متى المسكين وبعض رهبان دير الأنبا مقار إن التحالف مع الجماعات الإسلامية ضد رئيس الجمهورية هو خطأ لا يمكن أن يمر بسهولة؛ لأن الهجوم على الحكومة معناه ضياع كل فرصة لأي حل، وضاع التحذير في وسط موجة غضب وقال الأب متى المسكين إن الغضب لا يحل أي مشكلة ولا يوجد لنا سند إلاَّ رئيس الجمهورية لأن الاختلاف مع رئيس الوزراء، أو وزير الداخلية يحله رئيس الجمهورية، ولكن من يحل خلاف موجود مع رئيس الجمهورية؟ …. وضاع التحذير ….

        المشكلة الأساسية هي أن العلماني يحيا الـ 24 ساعة مع حياة شعب مصر كله: الشرطة – المسلمين – الإعلام … إلخ فالعلماني يعرف كيف يحيا وماذا يقول وكيف يخلق فرص التعاون والتحالف دون حساسيات … كان هذا هو دور المجلس الملي العام …ومات المجلس الملي العام، وعندما عاد إلى الحياة مرة أخرى بقرار من رئيس الوزراء ممدوح سالم، عاد بعد غياب طويل، وبعد أن اختفى دور العلمانيين باختفاء الأحزاب وانكفاء الأقباط داخل الكنيسة وعجز الحركة الوطنية التي ولدت بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر عن الاهتمام بشئون الأقباط … كل هذا تراكم ليطرح علينا العديد من الأسئلة، لكن السؤال الجدير بالاهتمام ما هو السبب الحقيقي لتغييب دور العلمانيين؟

        إنه بكل تأكيد انكفاء الأقباط والتحصن داخل المؤسسة الكنسية، وهي بكل تأكيد ليست الكنيسة نفسها؛ لأن الكنيسة هي الحياة المسيحية الحقيقية الكامنة في الصلوات، وحياة القداسة والسلوك حسب وصايا الإنجيل. لكن هذا لم نره بشكل واضح في حياة القيادات الكنسية المعاصرة، بل رأينا التوظيف السياسى للإمكانات والقدرات القيادية فيتسلل الى ادوات ادارة الصراع ( !! ) الخداع والكذب والقسوة وإشاعة الخوف وتحريك الدهماء والغوغاء والضغط على القيادة السياسية بسبب إحجام الأقباط عن المساهمة الواضحة في الحياة السياسية والانكفاء داخل المؤسسة التي تغافلت عن مبادئ الإنجيل . هكذا، مع الاستقالة الجماعية للعلمانيين، أصبح دور الإكليروس هو الدور الوحيد وأصبحت الساحة خالية تماماً.

        سوف يستغرق بعث دور العلمانيين عقود من الزمان ، يمكن أن نختزلها إذا فتحت الأحزاب السياسية ابوابها للقيادات العلمانية القبطية التي قد تجد نفسها في مواجهة عنيفة مع ما تبقى من سلطان زائف خلقه الإكليروس لأنفسهم ولا علاقة له بالكنيسة ولا بالمسيحية، وهو سلطان يشرِّع كل شيء بما فيه مشاهدة التليفزيون ، وهو ما اكده المتحدث الإعلامى للكنيسة ـ اسقف شبرا الخيمة ـ فى احاديثه الصحفية عقب مؤتمر العلمانيين ( 14 ـ 15 نوفمبر 2006 ) راجع على سبيل المثال حديثه الى جريدة الميدان القاهرية 13 / 12/ 2006 .

  أضف إلى سلسلة الإنهيارات ما يحدث فى دائرة الترف الذي يتعارض مع روح ونص الإنجيل من احتفالات ورحلات ... إلخ فالمتابع لوضع الإنفاق العام يرصد ما يلي:

أولاً: انعدام الرقابة على الإنفاق نفسه خصوصاً بعد الفصل بين لجنة الأوقاف والمجلس الملي العام. هذا خطأ يجب إصلاحه فوراً بقرار من رئيس الجمهورية بإعادة لجنة الأوقاف وإدارة البطريركية للمجلس الملي العام بل وخضوع ومراقبة الميزانية للجنة مالية.

ثانياً: يؤكد الإنفاق العام ما سبق وقلناه من قبل، وهو عدم وجود رؤية واضحة أمام القيادات نفسها، وعلى سبيل المثال تم إنفاق خمسة مليون جنيه على إنشاء استراحة قداسة البابا في دير الأنبا بيشوي في مقابل لا شيء إزاء دعم مكتبة الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية.

ثالثاً: لم تطرح القيادة على الشعب مشروعاً ثقافياً روحياً مثل نشر التراث المسيحي العربي الذي بذل فيه الأب سمير خليل اليسوعي حياته وجهده في إحيائه ... لأن الإنفاق العام هو خطة شخصية في جيب القيادة.

       وعلى هامش ذكر البعد الثقافى نعود إلى الأزمة التى اقامتها القيادة الكنسية معنا فى شأن التفسير اللاهوتى لقضية الفداء لم يقدم لنا قداسة البابا شنودة ولا نيافة الأنبا بيشوي ولا نيافة الأنبا موسى وثيقة واحدة من لآباء الكنيسة ولا شرحاً آبائياً لما ورد عن موت المسيح على الصليب:

1- حول قداسة البابا شنودة الثالث في كتابه "تأملات في أسبوع الآلام – 5 كتب" المسيح نفسه إلى رماد بعد أن احترق الابن في نار العدل الإلهي (راجع ص 168 - 170) ،

 2- حول نيافة الأنبا بيشوي في كتيب عقيدة الفداء والكفارة وعبر كل صفحات الكتيب، حول المسيح إلى شخص يُضرب ويجلد بجلدات حارقة بلا شفقة لكي تنال البشرية الخلاص (ص 3 - 12)، وهو تصور سادي يعكس سادية المؤلف، ولا يقدم شرحاً شبه مسيحي.

3- حول الأنبا موسى المسيح إلى ترضية غير محدودة عن خطايا غير محدودة بسبب إضافة الإنسان لله نفسه لكي تبقى قرارات الحرمان من التناول والخضوع المطلق غير المحدود الطابع المميز للتربية والسلوك الكنسي.  ! .

 وبعد، لماذا تصدرت عقيدة الفداء والكفارة واحتلت مركز الصدارة في السنوات الأخيرة؟ والجواب هو في إقامة سند شرعي للقهر وتقديس العقوبات؛ لأن الآب نفسه عاقب الابن، وفي خضوع الابن للعقوبة يبقى خضوع الشعب لأي عقوبة مؤبدة هو طريق الخلاص. ويحفظ لاهوت العصر الوسيط الإطار القانوني لكل الإجراءات الانتقامية والسادية من المعارضة ومن الشهادة نفسها.

المستقبل .

          وقد حاول قداسة البابا فى كتاب صدر له مؤخراً عنوانه " بدع حديثة " ـ ديسمبر 2006 ـ تناول ما طرحناه وطرحه الأب متى المسكين فى هذا الشأن بردود لا ترقى الى مستوى الحوار اللاهوتى الرصين ، هل يخشى الطرح فى مؤتمر لاهوتى راق يحكمه علماء لاهوت من مختلف الكنائس الأرثوذكسية ، فهل يفعلها ؟! .

          أما تصورى للخروج من مأزق الكنيسة القائم فيتطلب :

أولاً: إقامة منتدى علماني حر له برنامج إصلاحي يعيد اللجنة العليا لمدارس الأحد، ويبعث من جديد دور الصحافة القبطية في نشر الحرية والتراث القبطي وتأكيد تعدد شرح الكتاب المقدس من كتابات آباء الكنيسة نفسها.

ثانياً: تقديم عريضة موقع عليها من 1000 شخص تطالب بإقالة سكرتير المجمع المقدس لما اقترفه من جرائم مخلة بالشرف منها (تلفيق) شرائط الكاسيت وغيرها.

ثالثاً: تكوين لجان في كل كنيسة وإيبارشية باسم يحتوي إشارة واضحة للإصلاح الكنسي.

رابعاً: عقد مؤتمر عام لمن يريد من أعضاء الجمعيات القبطية الخيرية لدعم حركة الإصلاح مالياً ومعنوياً.

خامساً: النشر في الصحافة المصرية.

سادساً: تكوين لجنة قبطية لحقوق الإنسان في الكنيسة والدفاع عن الحرية.