English| |Arabic

 

هل يمكن تعزيز الحق في المواطنة

في ظل المادة الثانية من الدستور

على إسلام الدولة ومرجعية الشريعة الإسلامية ؟

 

القس / رفعت فكري سعيد

راعي الكنيسة الإنجيلية بأرض شريف – شبرا مصر

refaatfikry@hotmail.com

 

خلفية تاريخية موجزة :-

خلت الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على التنظيم الدستوري من أي إشارة إلى دين الدولة أو إلى الشرائع الدينية كمصدر للتشريع وهذا واضح في لائحة تأسيس مجلس شورى النواب سنة 1866 والأمر العالي للائحة مجلس النواب الصادر في فبراير سنة 1882 والقانون النظامي المصري الصادر في مايو 1883والقانون النظامي رقم 29 لسنة 1913 المختص بالجمعية التشريعية المصرية والواقع يقول إن النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة لم تعرفه الدساتير والوثائق القانونية في مصر إلا مع صدور دستور 1923 إذ نص في المادة 149 منه على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ثم تبنت الدساتير اللاحقة هذا النص فورد بعباراته في المادة 138 من دستور 1930 والمادة الثالثة من دستور 1956 وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958 وفي الإعلان الدستوري الصادر في سبتمبر 1962 إلا أن النص عليه عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور 1964 ولكن دستور 1971 خطا خطوة أكثر إيغالا في الربط بين القانون والدين لأن السادات عقب تسلمه السلطة بعد وفاة عبد الناصر، كان واضحا من مجمل سياساته أنه يتودد ويتقرب للجماعات الإسلامية التي أغتالته في حادث المنصة الشهير في أكتوبر من عام 1981 وأنه كان يبحث عن شرعية جديدة تميز نظامه عن نظام يوليو 1952 وتمثلت هذه الشرعية في إكساب الدولة طابعا دينيا فيما عرف وقتئذ بدولة العلم والإيمان وفيما لقب به الرئيس المؤمن فلم تكتف المادة الثانية من الدستور بأن الإسلام دين الدولة كما كان الحال في الدساتير السابقة بل اعتبرت الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع وفي حقيقة الأمر كانت هذه أول مرة في التاريخ القانوني المصري الحديث يكتسب الربط بين النظام القانوني والشريعة طابعا دستوريا منذ العدول عن اعتبار فقه الشريعة هو النظام القانوني الحاكم والأخذ بنظام التقنيات الحديثة سنة 1883 بعد أن أدخلت هذه المادة إلى الدستور المصري لأول مرة في دستور 1971 وعدلت في 22 /5 /1980 لتصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلا من كونها مجرد مصدر رئيسي دون أداة التعريف وجرى مع هذا التعديل في سلة واحدة تعديل آخر للمادة 77 من الدستور بإطلاق مدد ولاية رئيس الجمهورية دون حد أقصى بإطلاق "المدد الرئاسية" لكي تكون بلا حدود، بعد أن كان حدّها الأقصى مدتين، أي 12 عاماً. وكان الرئيس السادات قد قارب هذا الحد الأقصى (11 عاماً). أي أن المادة الثانية بنصها الحالي هي بمثابة صفقة أو رشوة تبادلية لتمرير مواد أخرى تخدم أغراض الحكام وليس مقاصد الشريعة وهكذا صوت المصريون وقتئذ بالموافقة على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع مثلما صوتوا بالموافقة على أن يكون رئيسهم رئيسا إلى الأبد .

( وهذا النص الدستوري يحتاج منا إلى إعادة قراءة بروح متأنية وبمزيد من التعقل لخير الأجيال المقبلة من أبناء هذا الوطن، فنحن، ومنذ القديم، دولة متعددة الديانات والمذاهب والأعراق، فالعرق اليافثي – نسبة إلى يافث إبن نوح - موجود منذ فجر التاريخ، منذ زمن الرومان واليونان تقريباً، وكذلك العرق السامي- نسبة إلى سام إبن نوح -  الذي جاء مع القادمين من بلاد العرب وقت دخول الإسلام، ثم إن مصر تنتمي أساساً إلى "مصرايم" ابن حام ابن نوح ، وهكذا فأصل المصريين جميعاً يرجع إلى هذا العرق "الحامي".وأما من ناحية الديانات فإن الديانات الثلاث الرئيسية قد احتضنت بعضها بعضاً وتعانقت على أرض الكنانة، بعد أن أفسحت الديانات الفرعونية القديمة المكان لها، وظلت الثقافات المنبعثة عن هذه الديانات متألقة، حتى أننا اليوم نرى في عادات المصريين ما هو فرعوني الأصل ومنها ما هو مسيحي، ومنها ما هو إسلامي الطبع، فقد عاشت الحضارة القبطية لما يزيد عن ألف ومائتي عام، بعد دخول المسيحية، كحضارة مصر الرئيسية، ثم ما لبثت أن امتزجت مع حضارة الإسلام مع القرن السادس الميلادي حتى اليوم.وعن المذاهب، ففي المسيحية يوجد اليوم الإنجيليون (بمذاهبهم المتعددة) والكاثوليك والأرثوذكس، وسجل التاريخ وجوداً للإسلام الشيعي على أرض مصر في عهد الدولة الفاطمية (التي أنشأت أصلاً الجامع الأزهر معقل الإسلام السني اليوم)، ثم الإسلام السني حتى اليوم.
وفي القطب السني، لا غضاضة أن تكون حنبلياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنيفياً، فكل من هذه المذاهب المتعددة يصب في نفس الرافد، رافد الإسلام السني.هذا معناه أن الساحة الوحيدة التي لا يمكن مراقبتها أو الحجر عليها هي ساحة الفكر والدين والضمير، فهي ساحة مطلقة السراح، وهل توحيد ساحة الفكر والدين لو استطعنا إلى ذلك سبيلاً _ هو الحل؟ لا بالمرة، فلا زال المؤرخون حتى اليوم لا يعرفون هل كان انضمام الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وتوحيد الإمبراطورية كلها في هذا الاتجاه لعنة أم بركة!! وحينما قرر الفرعون "أخناتون" توحيد العبادة المصرية وإغلاق كل معبد مخالف لمذهبه وتكفير كل الديانات المغايرة تمزقت إمبراطوريته في حياته وانكمشت مصر داخل حدودها الإقليمية!! وحين انتهى زمن الاجتهاد بعد الخليفة العباسي "المتوكل" وسيطر الدين الواحد والقطب الواحد (الإسلام السني) سجل التاريخ تراجعاً للحضارة العربية لصالح الأتراك والألبان وغيرهم، ودخلنا نفق التخلف المظلم خلال العصور الوسطي!! هذه الأمثلة هي غيض من فيض، ويمكن سوق مزيد من الأمثلة. إذن، التعدد بركة، ولا يجوز نصرة دين أو ثقافة بالقوة على دين آخر، فكم بالأحرى حينما يكون ذلك دستورياً وقانونياً؟!!)[1]

والدستور كما يقول جان جاك روسو هو تسجيل لعقد يحول رغبات الأمة إلى مبادئ محددة للعمل . لذا لا يصلح أبداً أن نفترض حسن نية المشرع وهو يضع المادة الثانية في صدر الدستور المصري، لماذا؟ لأن الدول _ وهي تضع دساتيرها _ قصدت أن تكون لغة الدساتير واضحة، قاطعة، جامعة، مانعة، لا تحتمل لبساً، أو غموضاً، ظاهرها كباطنها، لكون الدستور _ في الواقع _ هو مجموعة من القواعد القانونية العامة والمجردة التي يجب أن تنطبق على كل إنسان (لاحظ كلمة كل)، داخل الوطن الواحد، بصرف النظر عن أية اعتبارات أو عوامل أخرى، وعليه، فكل الدول "المتقدمة" نأت بنفسها عن هذا المنزلق الطائفي الخطير عند وضع دساتيرها، ولم تبق دساتير طائفية _ تميز بين المواطنين على أساس عرق أو دين _ إلا دساتير دول قليلة جداً، من المؤسف والمخجل أن تكون من بينها مصر !!

ويظن الكثيرون أن الحكم الديني يعني قيام رجال الدين بالحكم مباشرة لكن التعريف الصحيح للدولة الدينية هو في الواقع الذي يكون فيه الجهد الأساسي موجها نحو تطبيق قوانين إلهية. وبالتالي فهو يعني أي نظام حكم يستند بصورة أو بأخرى إلى مرجعية دينية ومن ثم فالدستور المصري يؤسس لنظام حكم ديني ثيوقراطي. ومفهوم الدولة الحديثة ككيان سياسي اجتماعي يستند إلى الشعب مصدرا للسلطات يتنافى بصورة مبدأية مع شكل ومفهوم الدولة الدينية , فالدولة الحديثة لا تستلهم السلف الصالح على حساب الخلف الطالح . الدولة الحديثة تتعامل مع النسبي والواقعي وليس مع المطلق والغيبي . الدولة الحديثة عقلانية ولا تزعم إنها دولة الكمال لكنها دولة السعي المستمر نحو الأفضل [2].

وعندما استخدم مصطلح ( دين الدولة الرسمي ) في بعض الدول الأوروبية حتى عهود قريبة فهذا لم يكن يعنى أكثر من تنظيم إداري بحت مثل أن يقوم جهاز الدولة بتحصيل تبرعات مع الضرائب من المواطنين الراغبين لصالح المؤسسة الدينية الرئيسية في البلاد مع ضمان حق باقي المواطنين في دفع تبرعاتهم التي تتمتع بنفس المميزات الضريبية لمؤسسات دينية أخرى بحسب اختيارهم ولم يكن المصطلح يعني بأي شكل معاملة تفضيلية ولا أن تتأثر الدولة في سياستها أو قوانينها بتوجهات تلك المؤسسة أو الدين الذي تتبعه [3] فالتمتع بكافة الحقوق والحريات المدنية لا يتوقف على المعتقدات الدينية للفرد. وبدراسة الكثير من دساتير الدول المتقدمة لايمكن أن نجد دولة متقدمة تضع لنفسها مادة تقول "أن الدين الرسمي للدولة هو الدين المسيحي"، ومن ثم فإن تلك المادة لا تضيف إلى الدولة شيئا ، ولكنها على العكس تزيد من انعزالها وانعزال مواطنيها في الداخل الذين لا ينتمون إلى ذلك الدين.

 أسباب موضوعية تؤكد تنافي المادة الثانية مع المواطنة :-

1 - ليست الدولة شخصاً طبيعياً، بل هي شخص اعتباري، والشخص الاعتباري كائن معنوي لادين له فهي لا تصلي ولا تصوم ولاتحج ولاتدفع الزكاة  لذلك فالقول بأن للدولة دين رسمي هو قول غريب وغير مفهوم. فالدولة مهمتها الوحيدة (ينبغي أن تكون) تنفيذ عقد اجتماعي وسياسي مع مواطنيها هنا على الأرض، وليس محاولة إدخالهم إلى جنة النعيم في العالم الآخر فليس من مهام الدولة إدخال الناس للجنة. إن الدين والشريعة كما يقول المستشار محمد سعيد العشماوي معنيان بالإنسان لا بالنظم , بالضمير أكثر من القواعد القانونية كما أنه بالنص على وجود دين للدولة "يصبح هناك دينا مميزا للدولة وبالتالي ينقسم المواطنون إلى فريقين أولهما يتبع ذلك الدين وبالتالي فهو صاحب الحقوق والامتيازات والثاني من أتباع الديانات الأخرى ينتظر المنح والهبات، مما يكرس مفهوم "الذمية" دستوريا ويجعل الدولة مدافعا وحاميا للدين لا للوطن" والنتيجة هي "مجموعة من القوانين والقرارات والأعراف المذلة والمنقوصة لحقوق من لايدينون بدين الدولة ." ومن هنا فإن نص المادة الثانية بوضعه الحالي يثير اللبس ويرتب نتائج قانونية غير متفق عليها .

 2 - تتناقض المادة الثانية مع إدعاء أن "مصر دولة مؤسسات ديمقراطيةّ"، فأسس المبدأ الديموقراطي هو المساواة الكاملة بين المواطنين، فما بالنا بحق المواطنة الذي ينفيه الدستور المصري عن بعض المواطنين لأنهم خارجون عن الدين الرسمي للدولة؟!! فهذه المادة تعلن بوضوح أن الدولة تمارس حمايتها ورعايتها لدين قسم من رعاياها وتخلع مظلة الحماية عن الآخر فالقارئ للمادة الثانية حتماً سيفهم أن في البلد أدياناً أخرى غير الإسلام، يدين بها مواطنون غير مسلمين. ثم لا بد أن يستنتج أن الدولة لا تعترف بأديان أخرى لأبنائها، لأنها لا تعتبرها رسمية وماحدث مؤخرا يؤكد هذا فقد استندت المحكمة الإدارية العليا إلى المادة الثانية في حكمها بإلغاء حكم القضاء الإداري وعدم أحقية البهائيين في إثبات ديانتهم بالأوراق الرسمية، حيث قالت المحكمة في حيثيات الحكم: إن الاعتراف بالبهائية كديانة مثبتة بالأوراق الرسمية يخالف ما استقرت عليه الآراء الفقهية والفتاوى الصادرة من جهات الاختصاص، كما يعد خروجاً علي أحكام الدستور، مما قد يؤثر علي المجتمع وأفراده من جراء عمليات التبشير التي تستهدف النيل من الدين الإسلامي، وأضافت الحيثيات «أنه طبقاً لما نص عليه الدستور وانتهت إليه مواده، فإن الأديان المسموح بإقامة شعائرها في مصر هي الأديان السماوية الثلاثة «الإسلام والمسيحية واليهودية».واضح من هذا الحكم أن الدولة تنفي بعضاً من مواطنيها، ليس بسبب تقصيرهم في واجبات المواطنة، وإنما بسبب عقيدتهم !! إذاً الدستور يفرق ويميز رسمياً بين أبناء الوطن الواحد، ويصنفهم درجات في المواطنة حسب الدين، وليس حسب ولائهم للوطن أو جذورهم الوطنية. إن إعلان الدولة بأن الدين الرسمى هو الإسلام يشكل انتهاكا وتمييزا وتحقيرا للديانات الأخرى وبصفة خاصة للمسيحيين مما يؤدى إلى إعاقة تمتعهم  وهم أبناء وشعب مصر بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في الوثيقة الدولية بالحقوق المدنية والسياسية بما في ذلك المادة 18 الخاصة بحرية الديانة والمادة 27 الخاصة بحقوق الأقليات الدينية. والحرية الدينية جزء لا ينفصل عن حرية الرأي والتعبير وطبعا يرتبط بهما حرية أداء الشعائر الدينية، وهي حرية مكبلة بالقيود على الرغم من ادعاءات المساواة فلا تبني كنيسة جديدة إلا بقرارات صعبة ومعقدة . ولا تجري فيها إصلاحات إلا بقرار إدارية وبيروقراطية أكثر صعوبة. والأخطر من هذا كله أن الحرمان من المواطنة الكاملة يبيح ولو بشكل مستتر تعرض أصحاب الأديان الأخرى للعدوان على أرواحهم وممتلكاتهم. وهذا ما حدث ولا زال يحدث. !!  إن الدستور هو أبو القوانين وأن الدولة المدنية تعني ببساطة فصل السلطتين الدينية والسياسية مع ضمان احترام المعتقدات الدينية والهويات الثقافية والروحية للشعوب والمجتمعات. انها تعني أن الدولة هي دولة قانون واحد يطبق على جميع المواطنين سواسية حقوقاً وواجبات بغض النظر عن الدين. انها "دولة المواطنة" لا دولة مواطنين من درجات (سني –شيعي – بهائي – قادياني -شيوعي – ذمي – كافر).

أما عن مبدأ لهم مالنا وعليهم ماعلينا الذي يراد به الإيحاء بنوع من المساواة بين المسلمين وغير المسلمين فهو يحتاج إلى تفسير واضح في ضوء بعض الأمور مثل دفع الجزية وإنه لاتقبل شهادة غير المسلم ضد المسلم , ولا يقتل مسلم بكافر , لايرث غير المسلم في المسلم , وبينما يصرح بزواج المسلم من الكتابية فالعكس -أي زواج الكتابي من المسلمة - محرم برغم عدم وجود نص قرآني صريح يحرم هذا الأمر وذلك لأن الفقهاء استندوا ببساطة إلى مبدأين في آن واحد وهما لا مساواة بين المسلم وغير المسلم الذي يستند بدوره إلى مبدأ الاسلام يعلو ولا يعلى عليه ومبدأ الرجال قوامون على النساء . ومن هنا فالارتكان إلى مبدأ لهم مالنا وعليهم ما علينا لايؤكد من قريب أو بعيد على المساواة التي ينبغي أن يكون النص الدستوري حولها قاطعا وحاسما وبدون التواء . فنص المادة الثانية بصورته الحالية في حد ذاته هو تمييز للمسلمين عن أتباع الديانات الأخرى أو اللادينيين. وسيكون حجة لتيارات سياسية لتفرض رؤيتها ومصالحها وتقيم دولة دينية يكون رأيها في كل أمور الوطن هو رأى السماء الذي لا يقبل النقاش والقبول والرفض.

3- وجود المادة الثانية في الدستور بهذا الشكل ينسف الأساس الذي تقوم عليه أي نصوص أخرى مذكورة في نفس الدستور أو في القوانين حول المساواة في حقوق المواطنة أو حول الحريات الأساسية وضماناتها إذ لا يمكن أن تفسر هذه المواد إلا في ضوء تلك المادة. وبقاء هذه المادة على ما هي عليه منذ عام 1980، سيكون متناقضا مع حقوق المواطنة والمادة 40 التي تنص على أن ( المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أوالدين أو العقيدة ) ومثل هذا التناقض هو شأن معيب  يهز القيمة العليا لدستور البلاد وينتقص منه. "ان النص الرسمي على دين الدولة ليس موجوداً في أي دولة مدنية متقدمة في العالم أجمع" قد يكون هناك نصاً أن الدولة تحترم جميع الأديان ولكن دون النص على دين رسمي لها. لأن من واجبات الدولة أن تحمي حقوق المواطنين –كافة المواطنين- بصرف النظر عن دين هؤلاء المواطنين أو جنسهم أو لونهم أو معتقداتهم. وان أقرت لها ديناً رسمياً فمعنى هذا أنها تنحاز إلى فئة دون أن تدري مهما حاولت بعد ذلك أن تضع بنودا في الدستور تؤكد على مساواة المواطنين مثل المادتين 40 و 46 من الدستور المصري لأن المادة الثانية من الدستور قد نسخت "ألغت" تماما تلك المادتان اللتان تنصان على مساواة المواطنين أمام القانون وحرية المعتقد. لا يصح أن تقول أي دولة أنها "مدنية" وفي نفس الوقت تقول إنها دولة لها دين رسمي.

4- إن كانت المقترحات المعروضة على مجلس الشعب تؤكد حظر تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني، إلا أن المشكلة تتركز في أن المادة الثانية من الدستور ربما تتسبب في وجود حزب سياسي ديني، وهذا ليس بغريب في ظل قانون الأحزاب السياسية والذي يشترط قيام الأحزاب على مرجعية إسلامية والإيمان بما نص عليه الدستور فهذه المادة تمهد لقيام الدولة الدينية التي تحلم بها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة وتقوي من نفوذهم وهم  يعدون أنفسهم للوصول إلى السلطة والحكم، ولنفترض أن "الإخوان المسلمين" قد قرروا التقدم بطلب لقيام حزب لهم. ولن يذكروا في برنامج حزبهم أكثر من أن يكون هدفه الرئيسي "تفعيل المادة الثانية من الدستور وإقامة حكم يستند تماما إلى شرع الله". ماذا سيكون رأي لجنة الأحزاب والمحاكم الإدارية والدستورية التي ستفصل في مثل هذا الطلب بناء على الفقرة المقترحة بحظر تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني ؟ كيف يستقيم حظر إنشاء أحزاب سياسية علي أساس ديني مع المادة الثانية التي تحدد موقع الدين من الدولة من خلال النص علي أن الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإٍسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؟ إذا سعى الإخوان أو أي جماعة إسلامية أخري إلي إنشاء حزب سياسي يقوم علي تفعيل هذا النص الدستوري، فهل ٌيعد ذلك غير دستوري؟ النظرة القانونية الظاهرية تقول إن هذا الحزب سيكون أكثر الأحزاب اتساقاً وتماشياً مع الدستور!!. الخلاصة هي إن الفقرة المقترحة، في السياق الدستوري الحالي، ستؤدي عمليا إلى استحالة قيام "حزب مسيحي"ولكنها لن تمنع قيام "حزب إخواني"!! ولهذا يبدو التعديل المقترح على المادة الخامسة بحظر الأحزاب الدينية لا معنى له سوى حظر الأحزاب الدينية غير الإسلامية بالذات بل يمكن القول إنه في ظل وجود المادة الثانية من الدستور تكون الأحزاب الدينية الإسلامية هي الأحزاب الأكثر مشروعية واتساقا ليس مع الدستور فقط ولكن مع الممارسا السائدة في الدولة ومع التوظيف السياسي الحكومي المتنامي للدين وللمؤسسة الدينية الرسمية فيها[4].

5-إن هذه المادة وهي تنص على أن (الإسلام هو الدين الرسمي للدولة) لم تحدد لنا أي إسلام تقصد،-فليس هناك  إسلام واحد معلوم للجميع – هل  هو الإسلام كما مارسته طالبان، أم هو الإسلام الوهابي المتشدد ؟ أم هو إسلام الإرهابيين الذين يجهلون المجتمع ويكفرون غيرهم من المسلمين؟. إن كل من هؤلاء ادعى إنه وحده الفرقة الناجية من النار وإنه  وحده يمتلك الحقيقة الإسلامية الكاملة!!. وبالطبع المادة الثانية  تستبعد عن الإسلام المذاهب غير السنية مثل الشيعة الاثنا عشرية، والقاديانية، رغم اعتقاد هؤلاء أنهم على إسلام سليم، فهم يؤمنون بالقرآن والسنة ويجاهرون بالشهادتين وهما المدخل المعترف به للإسلام.

6- إقحام الدين في السياسة هو خلط يسئ لكليهما إذ يسعى لسحب غطاء التقديس على ما هو غير مقدس ظنا أو ادعاء بأن في ذلك تنفيذا لإرادة الإله وإعلاء لشرعه والاعتراض على قوانين أو ممارسات ذات مرجعية دينية سرعان ما تجرى إدانته وحظره باعتباره تعدياً على الدين نفسه ثم الدخول في دوامة الكفر والالحاد التي تؤدي بالمجتمع كله في هاوية سحيقة لابد أن تنتهي إلى أعمال العنف والإرهاب بينما الأصل إنه لاتوجد قداسة في السياسة ونظم الحكم .

7- نص  المادة الثانية يتحدث عن الشريعة بينما هو في الحقيقة يتعلق بالفقه يقول المستشار العشماوي ( إن لفظ الشريعة لايعني في القرآن الكريم ولا في قواميس اللغة العربية القواعد القانونية وإنما معناه المنهج , السبيل , الطريق , ماشابه ويضيف إنه قد حدث للفظ الشريعة في الفكر الإسلامي تعديل عدة مرات من المعنى الأصلي ثم اتسع ليشمل القواعد القانونية التشريعية الواردة في القرآن ثم امتد ليضم أيضا القواعد المماثلة في الأحاديث النبوية ثم تغير المعنى ليشمل الشروح والتفسيرات والاجتهادات والآراء والفتاوى والأحكام التي صدرت لأيضاح هذه القواعد أوالقياس عليها أو الاستنتاج منها أو تطبيقها ,أي الفقه وأوضح أن كاتبي تقرير اللجنة الخاصة حول التعديل الدستوري في مايو 80 خ