English| |Arabic

Back

 

بقلم كمال زاخر موسى

kamal_zakher@hotmail.com

حاجتنا إلى مُصالح يضع يده على كلانا !!

 

          خبرات ما بعد لقاء العلمانيين ـ 14 نوفمبر 2006 ـ تتجاوز عندى بغير مغالاة كل خبرات سنى حياتى المنصرمة ، فقد انفتح ذهنى على واقع له حساباته المختلفة وتوازناته الخاصة به فى دائرة الكنيسة ، وجاءت ردود الأفعال لا تقل فى اثارة الدهشة عنها ، فكنت اظن أن الكنيسة شأنها شأن كل مؤسسات الوطن كائن حى ينمو ويتطور ويحتاج الى مراجعة واقعه لضبطه باتجاه تحقيق ما يسعى اليه " خلاص النفوس " ، فإذا بنا أمام صندوق متفجرات موقوت ، اختلط فيه المادى بالروحى ، والمعاش بالأخروى ، والدينى بالسياسى ، والثابت بالمتغير ، ولم تكن الكنيسة ـ الناس والعلاقات البينية وتوازناتها ـ وحدها وراء هذا الخلط بل كانت هناك عوامل خارجية عديدة ، لعل أبرزها التطورات المجتمعية خارجها والضاغطة عليها ، والتحولات الدرامية والمفاجئة الى حد التناقض فى السياسة العامة ، بدء من انقلاب يوليو ومغازلة التوجه الاشتراكى ثم الانقلاب عليه بالانفتاح العشوائى ثم فوضى التيارات المتطرفة ومعها هوس الرياح الشرقية الذى جمع بين نقيضين أخرين ؛ رفاهية البترودولارات وظلامية الإنغلاق الفكرى المتصحر التكفيرى ، لنفتح اعيننا يوماً على واقع مرير يعيد انتاج الطبقية الحادة والمرض والفقر والفوضى ، ونعود الى المربع الأول ما قبل الدولة الحديثة ، لنطرح اسئلة كنا قد تجاوزناها مع طه حسين ورفاعة الطهطاوى وتقدمية البابا كيرلس الرابع بمطبعته ـ الثانية بعد المطابع الاميرية ـ ومدرسة البنات التى افتتحها قبل قاسم امين بسنوات ، وابتعدنا عن اطروحات لويس عوض وجسارة يوسف ادريس وتحرر احسان عبد القدوس .

          هكذا وجد الأقباط انفسهم يدفعون خارج سياج المواطنة فى ازدواجية غير مبررة فبينما القواعد القانونية الحاكمة ـ الدستور والقوانين ـ تقضى بالمساواة وتجرم التفرقة على اساس اللون أو العرق أو الدين ، تجرى فى الشارع اعراف وممارسات تبشر بالتفرقة وتكرسها ، فى الجامعة والدواوين وتتسرب الى لافتات الشوارع والحوانيت ، والحكايات مريرة ومفجعة ولا يلتفت اليها أحداً ، وبالمصادفة جاءتنى ابنتى المهندسة بواحدة من المدن الجديدة بكراسة شروط للتملك فيها ، تصدرتها لمحة عن المدينة ، المساحة الإجمالية لها ، المعالم الرئيسية المخططة لها ، القطاع السكنى الفاخر والشعبى ، الحى التجارى ، القطاع الصناعى ، توقفت عند سطر يذكر أن لكل قطاع عدد من المساجد وهذا مطلب ملح بطبيعة الحال ، وسكتت كراسة الشروط عند هذا السطر ، ولم يأت ذكر ولا لكنيسة واحدة ، ولم اقرأ هذا على أنه ملمح طائفى ، فبعد اكتمال المدينة كسابقاتها تقام كنيسة على اطرافها استدراكاً لهذا السهو ، لكننى رأيت فيه منتج طبيعى للتربية والتعليم والإعلام والتنشئة الأحادية فيغيب عن المخططين وهم من كبار الخبراء بطبيعة الحال أن هناك من المصريين الذين سيقطنون هذه المدينة ؛ ملاكاً أو مستأجرين أو متعاملين مع قاطنيها ، من يحتاج الى كنيسة وربما الى أكثر بحسب طائفته !! .

            وعبر التحولات الدرامية بل وفى واحدة من اكثرها تأثيراً يأتى على رأس الدولة الرئيس الراحل انور السادات وعلى رأس الكنيسة قداسة البابا شنودة الثالث ، ويجد الأخير نفسه محملاً بمسئولية قدرية تتجاوز مهامه الدينية والكنسية ، ومن تفاعيل القدر أنه كان يملك امكانية التعاطى مع هذه المسئولية ، ان يصبح رمز الأقباط وقائدهم خارج اسوار الكنيسة ، وارتاح الأقباط لهذا وارتاحت الدولة ايضاً ، لكن آلة السياسة كانت تدور وفق توازنات المصالح فتم استبعاد العلمانيين من المشاركة فى الشأن الكنسى الا فى دائرة التفيذيين ، وتتصاعد حركة الألة ليحدث الصدام المدوى بين قطبى الكنيسة والدولة فى سبتمبر 1981 ، ويعزل البابا ويغتال السادات ، ويدخل الأقباط فى نفق مظلم لا تبدو له نهاية ، ويخرج البابا من عزلته ويعود الى كرسيه ـ يناير 1985 ـ وتزداد حساسية الحوار معه أو عنه عند الأقباط ، ليرتفع الى مصاف عليا يحسب معها أن محاولة طرح الإشكاليات القبطية هى بمثابة تعريض بقداسته ونكران لجهاده الطويل والشاق فى مسيرة قيادة الكنيسة والأقباط ، ولعل هذا يفسر بشكل ما الزوابع التى كادت تقتلع منظمى ومشاركى وباحثى لقاء / مؤتمر العلمانيين السابق الإشارة اليه ، وهى ردود افعال تجسم حجم الأزمة التى يعيشها الشارع القبطى ومدى حاجتنا الى حلول آنية باتجاه تفعيل فكر المواطنة عند الكافة ، كافة المصريين ، ليعود من خلالها الأقباط الى المشاركة الفاعلة فى الشأن العام وتُقبل هذه المشاركة باعتبارها مطلباً وطنياً يضيف الى البناء الوطنى ويفعِّل الفكر والفعل التنموى ، ويسد الطريق على كوابييس الدولة الدينية التى تنخر فى عقل الظلاميين حتى لو البسوها ثياباً معاصرة .

            على صعيد الكنيسة فقد تيقن لدى بعد جلسات مطولة قبل ايام قلائل مع رموز مستنيرة من الأباء الأساقفة قريبى الصلة بقداسة البابا أن امكانية قيام حوار عقلانى تحدوه الأبوة أمر وارد بل ومحل سعى حثيث وأمين من هؤلاء الاساقفة ، رغم أن اللقاءات التى تمت مع بعض المشاركين فى اللقاء من اصحاب الأوراق المثيرة للجدل جاءت مع كل أب من الاباء الأساقفة على حدة لكن تجمع لدينا فى النهاية قدر من التفاؤل بأن ثمة ضوء ينبعث فى نهاية النفق ، ولعل هذا يفسر لنا صمت قداسة البابا حيال اللقاء العلمانى فلم يشترك فى معزوفة الهجوم عليه والتى تكفل بها وكلاء ليس لديهم سند وكالة عن الكنيسة ، الأمر الذى يدعونا الى التطلع الى قداسته أن يعيد انتاج الأبوة التى استقرت فى وجداننا عنه فى صبانا وقبل أن يغزو المشيب رؤوسنا ، لأنه وحده ـ مقاماً وموقعاً وتكويناً ـ من يقدر أن يجمع الفرقاء فى فعل مصالحة هى من صميم عمل الكنيسة ؛ اذا نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله (2كو  5 :  20) ، إذ كيف نتصالح مع الله بغير أن نتصالح معاً ، وقديماً صرخ ايوب البار " ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا (اي  9 :  33) ، لكننا نأمل أن نجد فى قداسته هذا المصالح .